اتجاهات السكن

السكن: ما تتطلع إليه الأسر وما يَعرِضُه السوق

09 أبريل 2026 1 دقائق للقراءة
السكن: ما تتطلع إليه الأسر وما يَعرِضُه السوق

بعد عامين من الاضطرابات القوية، أبان الطلب العقاري في المغرب خلال سنة 2024 مؤشرات على الصمود، قبل أن يصطدم في عام 2025 بتباطؤ صريح في حجم المعاملات. وخلف الاستقرار العام للأسعار، تكشف البيانات الرسمية عن "طلب مُجزَّأ"، يتسم بكونه حضريا ومقيداً بشكل متزايد بظروف التمويل و"العرض المتاح".

قراءة الإحصائيات العقارية في المغرب تفرض تمييزاً واضحاً بين الطلب المعبّر عنه والطلب المحقق فعلياً. ففي عام 2024، أظهرت المؤشرات الرسمية سوقاً تميز بشبه استقرار في الأسعار، ولكن أيضاً بوجود طلب حقيقي متركز في قطاعات ومدن معينة. أما في عام 2025، فقد واجه هذا الطلب تباطؤاً ملحوظاً في المعاملات، مما يكشف ليس عن انهيار في الرغبة العقارية، بل عن انسداد في ظروف إتمام الصفقات. وتتيح الأرقام المنشورة بصفة مشتركة بين بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية (ANCFCC) فك شفرات هذه التطورات بوضوح.

طلب سكني مستمر ولكن مستهدف بدقة

تؤكد البيانات الرسمية أن الطلب العقاري في المغرب يظل، بالدرجة الأولى، طلباً سكنياً؛ ففي عام 2024، مثّلت العقارات المخصصة للسكن أكثر من 60% من المعاملات المسجلة وفقاً لإحصائيات المحافظة العقارية. وقد توجه هذا الطلب بشكل أساسي نحو الشقق، ولا سيما المتوسطة منها، والتي تتناسب مع القدرات المالية للأسر في الوسط الحضري.

أما الأسعار، المقاسة وفق مؤشر أسعار الأصول العقارية (IPAI)، فقد ظلت مستقرة إجمالاً طوال عام 2024، مع تغيرات سنوية محدودة لا تتجاوز عادة 1%. ويعكس هذا الاستقرار توازناً هشاً بين طلب حقيقي وعرض يجد صعوبة في التكيف، خاصة في الحواضر الكبرى. وتتركز الحصة الأكبر من هذا الطلب في مدن الدار البيضاء، الرباط، طنجة، ومراكش، ارتباطاً بالدينامية الديموغرافية وفرص الشغل والجاذبية الاقتصادية.

ويؤكد هذا الوضع أن الطلب لا يتلاشى، بل ينكفئ على قطاعات دقيقة، متخلياً عن العقارات مرتفعة الثمن أو تلك التي لا تتوافق مع الاحتياجات الراهنة للأسر.

2025: انحسار المعاملات من أعراض طلبٍ مكبَّل

إذا كان الطلب العقاري لا يزال ملموساً، فإن عام 2025 يمثل قطيعة واضحة في جانب المعاملات. فوفقاً للتقارير الفصلية لبنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، سجل الحجم الإجمالي للمبيعات العقارية خلال النصف الأول من عام 2025 تراجعاً بنسبة "مزدوجة" (رقمَين) على أساس سنوي. وقد شمل هذا الانخفاض جميع الفئات، مع "انكماش حاد" بصفة خاصة في القطاع السكني.

هذا الانحسار لا يُفسر بسقوط مفاجئ في الأسعار (التي ظلت مستقرة إجمالاً)، بل بتشدد شروط الولوج إلى التمويل وزيادة حذر الأسر؛ فيما تُظهر البيانات النقدية نمواً متواضعاً في القروض العقارية، وهو نمو غير كافٍ لاستيعاب الطلب الكامن (demande latente).

وبعبارة أخرى؛ الطلب موجود لكنه "مُعاق". وتخلق هذه الوضعية سوقاً يسوده الترقب (Attentisme)، حيث يؤجل المشترون والبائعون قراراتهم، مما يؤدي إلى تفاقم انخفاض الأحجام دون إحداث تعديل جوهري في الأسعار.

الطلب على الكراء أكثر دينامية من الشراء

في هذا السياق، يبرز سوق الكراء بمثابة ملجأ طبيعي للطلب. تشير البيانات القطاعية المتاحة لعام 2024 إلى نمو معتدل ومستمر في طلبات الكراء، لا سيما في المدن الكبرى والأقطاب السياحية. ويتماشى هذا التوجه مع انخفاض معاملات الشراء الملاحَظ في عام 2025.

الأسر، التي تواجه إكراهات التمويل، تمنح الأولوية للكراء. بينما يعيد بعض المستثمرين توجيه استراتيجياتهم نحو الأصول المدرة للعوائد الكرائية. وتهم هذه الدينامية الشقق كما تشمل فئات معينة من الفيلات الحضرية.

وبذلك، أصبح الطلب على الكراء مؤشراً استباقياً للتوترات في سوق الإسكان، مما يعكس مفاضلة اقتصادية فرضتها الظروف بدلاً من كونه فقداناً للاهتمام بالمِلكيات العقارية.

ما تقوله الأرقام: "طلب حقيقي، لكنه مقيَّد هيكلياً"

تُبرز القراءة المتقاطعة للبيانات المنشورة من طرف بنك المغرب و"المحافظة العقارية" تشخيصاً جلياً: السوق العقاري المغربي لا يواجه تلاشياً في الطلب، بل تآكلاً في الطلب المتمتع بالقدرة الشرائية (Demande solvable)؛ فاستقرار مؤشر أسعار الأصول العقارية خلال عام 2024، وامتداده بـ"تغيرات طفيفة" في عام 2025، يتناقض بشدة مع الانكماش الحاد في حجم المعاملات الملاحظ عبر عدة فصول متتالية.

يعكس هذا التفاوت ظاهرة أصبحت واضحة للمهنيين في القطاع: جزء كبير من الأسر لا يزال في حالة انتظار، ليس بسبب "الزهد" في التملك العقاري، بل نتيجة لتزايد الضغوط المالية، لا سيما فيما يتعلق بالائتمان. وتظهر البيانات النقدية المتاحة بالفعل نمواً خجولاً في جاري القروض العقارية، وهو ما لا يكفي لتعويض الانخفاض في عدد الرسوم العقارية المسجلة لدى المحافظة العقارية.

وفي ظل هذا الوضع، يشير غياب أي تصحيح ملموس في الأسعار إلى أن العرض لم يتكيّف مع دينامية انخفاض المعاملات، مما يكرس مناخ الترقب لدى طرفي السوق؛ فالبائعون يتشبثون بمستويات أسعارهم، بينما يؤجل المشترون قراراتهم، آملينَ في تحسن شروط التمويل أو مواءمة العرض.

في المحصلة، ترسُم الأرقام المتاحة للفترة 2024-2025 ملامح سوق عقاري يعيش توتراً كامناً، يتميز بطلب حقيقي مؤكد، ولكنه مكبوح بعوامل هيكلية لا ظرفية خاصة في الحواضر الكبرى حيث تظل الحاجة إلى السكن مرتفعة.

سوق سكن أسعار إيجار

مشاركة