اتجاهات السكن

الشراء أم الكراء اليوم: كيف تتطور سلوكيات الأسر في المغرب؟

09 أبريل 2026 1 دقائق للقراءة
الشراء أم الكراء اليوم: كيف تتطور سلوكيات الأسر في المغرب؟

بين تباطؤ المعاملات، وتشديد شروط الولوج إلى القروض، والضغط المستمر على الإيجارات، تعيد الأسر المغربية صياغة معادلاتها للسكن والإقامة. ففي عام 2025، لم يعد الشراء رد فعل فورياً، كما توقف الكراء عن كونه مجرد خيار اضطراري، مما يكشف عن تحول عميق في السلوكيات تجاه السكن.

منذ عام 2024، يتطور السوق العقاري المغربي في بيئة أكثر تقييداً، حيث أصبحت قرارات الأسر تُتخذ بناءً على واقع اقتصادي جديد. وتظهر البيانات المنشورة من طرف بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية (ANCFCC) انكماشاً ملحوظاً في النشاط مطلع عام 2025، مع انخفاض تجاوز 29% في المعاملات العقارية السكنية خلال الفصل الأول مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024. يأتي هذا التحول بعد عدة سنوات من ارتفاع الأسعار في المدن الكبرى، وعلى خلفية تشديد شروط التمويل وتآكل القدرة الشرائية.

وفي الوقت ذاته، لم تشهد أسعار العقارات تراجعاً ملموساً؛ بل سجل مؤشر أسعار الأصول العقارية ارتفاعاً سنوياً بنحو 1% نهاية عام 2025، مدفوعاً بشكل أساسي بقطاع الشقق. هذا المزيج — المتمثل في استقرار عام للأسعار مقابل تراجع الأحجام — يعكس حالة من الترقب (Attentisme) المتزايد لدى الأسر، ولا سيما المقتنين لأول مرة. وأمام الميزانيات الواقعة تحت الضغط، يتم تأجيل قرار الشراء بشكل متزايد، بينما يكتسب الكراء جاذبية كحل مستدام، خاصة في الأقطاب الحضرية الكبرى.

في هذا السياق، لم تعد السلوكيات السكنية تتمحور حول تقابل بسيط بين الملاك والمكترين، بل حول مفاضلات معقدة تمزج بين القدرة المالية، والاستقرار المهني، والبحث عن المرونة.

سوقُ شراء يتباطأ بسبب إكراهات التمويل

تُظهر التطورات الأخيرة في السوق أن الشراء العقاري لا يزال هدفاً مركزياً للعديد من الأسر، لكن تحقيقه أصبح أكثر صعوبة. ففي المدن الكبرى، تتراوح أسعار الشقق غالباً ما بين 12,000 و20,000 درهم للمتر المربع، حسب الأحياء ومستوى التجهيز، وهو مستوى مرتفع مقارنة بمتوسط الدخل. ويؤثر هذا الواقع مباشرة على الملاءة المالية للمشترين، خاصة في ظل تعزيز متطلبات التمويل الذاتي (L'apport personnel) التي تفرضها الأبناك وتشديد معايير منح القروض.

إن انخفاض المعاملات الملاحظ في عام 2025 يعكس هذه الصعوبة في الولوج إلى الملكية؛ فهو لا يعبر عن فقدان الاهتمام بالشراء، بقدر ما يعكس فجوة بين الطموحات والقدرات المالية الحقيقية للأسر. إذ يفضل الكثيرون انتظار تحسن وضعيتهم المهنية، أو انخفاض أسعار الفائدة، أو ظهور فرص أكثر ملاءمة، خاصة في القطاعات الوسيطة من السوق.

كما يغذي هذا الحذر ضعف دينامية إعادة تقييم الأصول؛ فغياب الارتفاع السريع في الأسعار يقلل من الحافز على الشراء بصفة استعجالية، على عكس الفترات السابقة حيث كان الخوف من ضياع الفرص يشكل محركاً أساسياً. وبذلك، بات يُنظر إلى الشراء كفعل استثماري طويل الأمد، يتسم بتفكير أعمق وغالباً ما يتم تأجيله، لا سيما لدى الأسر الحضرية الشابة.

الكراء.. من حل انتقالي إلى خيار إستراتيجي

بموازاة تباطؤ وتيرة الشراء، يفرض الكراء نفسه بشكل متزايد كخيار سكن مدروس. ففي الحواضر الكبرى، يظل الطلب على الكراء قوياً، مدفوعاً بالحركية المهنية، وتركيز فرص الشغل، وصعوبة الولوج إلى المِلكية. وتظل معدلات الشغور منخفضة في عدة مراكز حضرية، مما يترجم ضغطاً مستمراً على الرصيد العقاري الموجه للكراء.

العوائد الكرائية الخام، التي تُقدر ما بين 4.5% و6.5% حسب المدن والقطاعات، شاهدةٌ على جاذبية السوق للمستثمرين وأيضاً على حيوية الطلب؛ فيما تستقطب المساحات الصغيرة والمتوسطة، ولا سيما الشقق المكونة من غرفتين والمساكن التي يقل مساحتها عن 80 متراً مربعاً، حصة كبيرة من عمليات البحث، بما يتوافق مع احتياجات الشباب العاملين (النشِطين مهنياً) والأسر ذات الدخل المتوسط.

بالنسبة للعديد من الأسر، لم يعد الكراء مجرد مرحلة تسبق الشراء، بل استراتيجية تتيح الحفاظ على المرونة، والحد من المديونية، والتكيف مع مسارات مهنية قد تكون أحياناً غير مستقرة. ويمثل هذا التطور قطيعة مع ثقافة كانت تاريخياً موجهة بقوة نحو الملكية، دون أن يقلل ذلك من أهميتها الرمزية كأصل عقاري.

سعر الفائدة الرئيسي والدعم المباشر للسكن: آليات لا تزال فعاليتها جزئية

أثرت قرارات السياسة النقدية والآليات العمومية لدعم السكن، بعمق، على مفاضلات الأسر بين الشراء والكراء خلال العامين الماضيين.

في يونيو 2024، خفض بنك المغرب سعر الفائدة الرئيسي من 3.25% إلى 3%، منهياً بذلك دورة من التشديد النقدي بدأت في عام 2022. وظل هذا المستوى مستقراً طوال عام 2025، مما يعكس رغبة في دعم النشاط الاقتصادي دون إذكاء الضغوط التضخمية. وعملياً، كان لهذا التيسير النقدي أثر محدود وإن كان حقيقياً على القروض العقارية؛ حيث توقفت الفوائد المطبقة على الأسر عن الارتفاع، لكنها ظلت أعلى بكثير مما كانت عليه في فترة ما قبل 2022، مما حافظ على قيد قوي على قدرة الاقتراض، خاصة بالنسبة للمقتنين لأول مرة.

وبالموازاة مع ذلك، غيّر دخول الآلية الجديدة لـ الدعم المباشر للسكن حيز التنفيذ "بنية الطلب على الشراء"؛ فمنذ عام 2024، تمنح الدولة مساعدة قدرها 100,000 درهم لاقتناء سكن يقل سعره أو يعادل 300,000 درهم، و70,000 درهم للسكن الذي يتراوح سعره بين 300,000 و700,000 درهم. وقد ساهمت هذه الآلية في إنعاش الاهتمام بالقطاعات الوسيطة والاجتماعية عبر تقليص الجهد المالي الأوّلي للأسر، لاسيما "التمويل الذاتي".

ومع ذلك، يظل أثر هذا الدعم متبايناً؛ ففي المدن الكبرى، حيث تتجاوز الأسعار سقف 700,000 درهم لغالبية الشقق، تستفيد من الدعم أساساً الضواحي الحضرية والمدن المتوسطة. في المقابل، يمثل الدعم بالنسبة للأسر المؤهلة عاملاً حاسماً في قرار الشراء، بجعله أكثر تيسيراً من الكراء طويل الأمد. هذا الجمع بين (سعر فائدة مستقر لكن ائتمان لا يزال مكلفاً، ودعم عمومي مستهدف) يفسر إلى حد كبير عودة فئة من الأسر تدريجياً نحو الشراء، بينما تستمر فئة أخرى في تفضيل الكراء لعدم كفاية مَلاءتها المالية (solvabilité).

شراء كراء قروض دعم السكن

مشاركة