ما تزال الدار البيضاء بؤرة الطلب العقاري الرئيسية في المغرب، سواء بالنسبة للشراء أو الكراء. وإذا كان السوق مجزءاً حسب مستويات الدخل، والاستخدامات، والطموحات (سكن رئيسي أو استثمار)، فإن أحياء بعينها تبرز بوضوح كأكثر المناطق استقطاباً للمشترين كما المكترين. وتتيح عملية تحليل الديناميات حسب المناطق فهم أين تتركز الآفاق العقارية اليوم في الحاضرة الاقتصادية الكبرى.
اختُتم عام 2025 بخلاصة واضحة: يشهد الطلب العقاري في الدار البيضاء إعادة تشكل عميقة. إذ تظهر الإحصائيات الرسمية حول المعاملات، والمتقاطعة مع بيانات المنصات العقارية وتحليلات السوق، أن نوايا الشراء والكراء تتركز الآن في عدد محدود من الأحياء، على حساب مناطق أخرى كانت تاريخياً جذابة. ولا يعكس هذا التطور مجرد ظاهرة عابرة، بل هو نتيجة لإكراهات اقتصادية محددة بدقة، لا سيما مستويات الأسعار، وصعوبة الولوج إلى التمويل، والقرب من أقطاب الشغل.
وفي مدينة "متروبولية" تتميز بفوارق سوسيو-مجالية صارخة، أصبحت الأسر تجري مفاضلات دقيقة بشكل متزايد بين الموقع، والمساحة، والميزانية. أما المستثمرون، فيمنحون الأولوية للقطاعات التي توفر في آن واحد سيولة المعاملات، وطلباً كرائياً مستمراً، وإمكانية لتثمين قيمة العقار مستقبلاً. وبناءً على التوجهات المرصودة طوال عام 2025، يمكن تحديد الأماكن التي تتركز فيها الأبحاث العقارية في الدار البيضاء بدقة، سواء للشراء أو الكراء، وما تعكسه هذه الخارطة من تحولات في السوق الحضري.
طلب على الشراء يتركز في أحياء استراتيجية معينة
في الدار البيضاء، يظل اهتمام المُقتنِين مرتكزاً بقوة على قطاعات محددة، تجمع بين سهولة الولوج، والبنية التحتية، والقدرة على نمو وتثمين القيمة؛ فوفقاً للبيانات المتاحة، يستحوذ حي "سيدي معروف" على قرابة 10.5% من البحث العقاري، مما يجعله أحد أكثر القطاعات جاذبية للسكن الرئيسي أو الاستثمارات في السكن. وبالمثل، يمثل حي القطب المالي للدار البيضاء (CFC) حوالي 7% من نوايا البحث، مستفيداً من موقعه الاستراتيجي. أما حي "راسين" (Racine)، بمركزيته وتوفر وسائل النقل فيه، فيجذب قرابة 6% من المشترين المحتملين الباحثين عن شقق حديثة في مواقع متميزة.
تعكس هذه التوجهات معضلة كلاسيكية؛ إذيرغب المشترون في القرب من الخدمات والولوجية وتثمين القيمة، لكنهم يصطدمون غالباً بأسعار مرتفعة. وفي معظم هذه المناطق، تهيمن الشقق المكونة من غرفتين إلى ثلاث غرف على نوايا البحث، لتناسب احتياجات العائلات والأطر. وعلى مستوى الأسعار، تستمر أحياء مثل "أنفا"، و"عين الذياب"، و"غوتييه" في التموضع ضمن الفئة الراقية (Premium) بقِيم سوقية مرتفعة.
أين يتركز طلب الكراء في البيضاء؟
ظل الطلب على الكراء في الدار البيضاء ديناميكياً بشكل خاص في عام 2025، مدفوعاً بالشباب العاملين، والأطر، والأجانب المقيمين الذين لا تتوفر لديهم دائماً القدرة على الولوج إلى الملكية. وتبرز الأحياء المركزية مثل "المعاريف"، و"غوتييه"، و"راسين" كأكثر المناطق التي تشهد طلباً مستمراً على الكراء، بفضل قربها من مراكز الشغل، والمرافق الحضرية، ووسائل النقل العمومي.
وغالباً ما تتركز الطلبات في هذه القطاعات على الشقق متوسطة المساحة، والتي تتوافق مع ملفات كرائية متنوعة: مهنيون شباب، عائلات صغيرة، أو عاملون دوليون. كما يتغذى الاهتمام بالكراء على التكلفة العالية للشراء في بعض المناطق الراقية، مما يدفع فئة كبيرة من الساكنة إلى تفضيل الحلول الكرائية، خاصة لمدد طويلة. ومن جهة أخرى، يلقى الطلب الكرائي دعماً من عوائد كرائية مغرية (تتراوح بين 4% و6% في المتوسط بالدار البيضاء)، مما يحافظ على اهتمام المستثمرين الراغبين في تحقيق دخل دوري عوض الانخراط في عملية شراء فورية.
الأسعار وخصائص الأحياء: المعايير الموجهة لعمليات البحث
تتباين أسعار العقارات في الدار البيضاء لعام 2025 "بشكل حاد" حسب الأحياء، وهو ما يؤثر مباشرة على الوجهات التي يقصدها المشترون والمكترون؛ ففي المناطق المرموقة، مثل أنفا وعين الذئاب والقطب المالي للدار البيضاء، تعتبر أسعار المتر المربع أعلى بكثير من المناطق الأخرى، مما يعكس جاذبيتها للمشترين ذوي الملاءة المالية والمستثمرين.
في المقابل، توفر أحياء مثل سيدي معروف، والمعاريف، و"غوتييه" مستويات أسعار ميسورة نسبياً مع الحفاظ على جاذبيتها من حيث البنية التحتية والحياة الحضرية. ويفسر هذا التفاوت في الأسعار جزئياً سبب تفضيل بعض المشترين اليوم للأحياء في طور النمو أو المرتبطة جيداً بشبكة المواصلات، بينما يختار آخرون مناطق أكثر مركزية رغم التكاليف المرتفعة. فعلى سبيل المثال، ووفقاً لمعطيات حديثة، يمكن أن تتراوح الأسعار بين 15,000 و22,000 درهم للمتر المربع في الأحياء المطلوبة جداً، بينما تعرض بعض القطاعات المحيطية قيماً أكثر اعتدالاً. وتعد هذه التجزئة في الأسعار عاملاً محورياً يهيكل الأبحاث العقارية في الدار البيضاء، سواء للكراء أو الشراء.
آفاق 2026: بين قطاعات ديناميكية وإكراهات الولوج
بالنظر إلى عام 2026، تظهر التوجهات العقارية في الدار البيضاء سوقاً في طور التطور، مع ضغط قوي على المناطق ذات المواقع المتميزة وطلباً مستمراً على الشراء والكراء معاً.
وبينما تستمر الأحياء الراقية في جذب المستثمرين والمقتنين من الفئات العليا، تظل القطاعات في طور النمو مثل سيدي معروف أو حي "لا كولين" (La Colline) أهدافاً مفضلة للمقتنين لأول مرة وللعائلات.
أما "الطلب على الكراء"، فمن المتوقع أن يظل قوياً، خاصة بالقرب من أقطاب الشغل ووسائل النقل، نظراً للتفضيل الحالي للكراء لدى الشباب العاملين والأجانب. وتؤكد هذه التركيبة للسوق حقيقة هامة: وهي أن الدار البيضاء لم تعد مجرد مركز للمعاملات العقارية كغيره، بل هي فسيفساء من الأسواق الجزئية (Micro-marchés) حيث تعبّر تفضيلات الأسر والمستثمرين عن نفسها بشكل مختلف حسب الأحياء والقدرات المالية.